أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

201

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ضعيفا ، ولم يكن كقولك : ما زيد منطلقا هو ، لأنك قد استغنيت عن إظهاره ، وإنما ينبغي لك أن تضمره » . قلت : ومذهب الأخفش : أنه جائز مطلقا ، وعليه بنى الزمخشري ، وقد جوّز أبو البقاء - ما يوهم أنه جواب عن ذلك - فقال : الوجه الثالث : أن يكون « جَزاؤُهُ » مبتدأ ، و « مَنْ وُجِدَ » : مبتدأ ثان ، و « فَهُوَ » مبتدأ ثالث ، و « جَزاؤُهُ » خبر الثالث ، والعائد على المبتدأ الأول الهاء الأخيرة ، وعلى الثاني « هو » انتهى . « وهذا الذي ذكره أبو البقاء لا يصح ، إذ يصير التقدير : فالذي وجد في رحله جزاء الجزاء ، لأنه جعل « هو » عبارة عن المبتدأ الثاني ، وهو « مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ » وجعل الهاء الأخيرة ، وهي التي في « جَزاؤُهُ » الأخير عائدة على « جَزاؤُهُ » الأول ، فصار التقدير : كما ذكرته لك ، والوجه الثاني - من الأوجه المتقدمة - أن يكون « جَزاؤُهُ » مبتدأ ، والهاء تعود على المسروق ، و « مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ » خبره ، و « مَنْ » بمعنى الذي ، والتقدير : جزاء الصّواع الذي وجد في رحله ، وكذلك كانت شريعتهم ، يسترق السارق ، فلذلك استفتوا في جزائه . وقوله : فَهُوَ جَزاؤُهُ تقدير للحكم ، أي : فأخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير كقولك : حق زيد أن يكسى ويطعم وينعم عليه ، فذلك حقه ؛ أي : فهو حقه لتقرر ما ذكرته من استحقاقه ، ويلزمه ما قاله الزمخشري ، ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه ، قال : « والتقدير استبعاد من وجد في رحله » ، وقوله : « فَهُوَ جَزاؤُهُ » « مبتدأ وخبر مؤكد لمعنى الأول » . ولمّا ذكر الشيخ هذا الوجه ناقلا له عن الزمخشري قال « 1 » : « وقال معناه ابن عطية ، إلا أنه جعل القول الواحد قولين . قال : « ويصح أن يكون « مَنْ » خبرا على أنّ المعنى : جزاء السارق ، من وجد في رحله ( عائد على من ) ، ويكون قوله : « فَهُوَ جَزاؤُهُ » زيادة بيان وتأكيد . ثم قال : « ويحتمل أن يكون التقدير : جزاؤه استرقاق من وجد في رحله » . وفيما قبله لا بد من تقديره ، لأن الذات لا تكون خبرا عن المصدر ، فالتقدير في القول قبله جزاؤه أخذ من وجد في رحله ، أو استرقاقه ، هذا لا بد منه على هذا الإعراب » . قلت : وهذا كما قال الشيخ « 2 » : « ظاهره أنه جعل القول الواحد قولين » . الوجه الثالث - من الأوجه المتقدمة - : أن يكون « جَزاؤُهُ » خبر مبتدأ محذوف ، أي : المسؤول عنه جزاؤه ، ثم أفتوا بقولهم : « مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ » ، كما تقول : من استفتى في جزاء صيد المحرم جزاء صيد المحرم ، ثم يقول : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ، قاله الزمخشري . قال الشيخ « 3 » : « وهو متكلف ، إذ تصير الجملة من قوله : « المسؤول عنه جزاؤه ، وعلى هذا التقدير ليس فيه كثير فائدة ، إذ قد علم من قوله : « فَما جَزاؤُهُ » ، إنّ الشيء المسؤول عنه جزاء سرقته ، فأي فائدة في نطقهم بذلك ، وكذلك القول في المثال الذي مثل به من قول المستفتي . « قلت : قوله : ليس فيه كثير فائدة ممنوع ، بل فيه فائدة الإضمار المذكورة في علم البيان ، وفي القرآن أمثال ذلك » . الوجه الرابع : أن يكون « جَزاؤُهُ » مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : جزاؤه عندنا كجزائه عندكم ، والهاء تعود على السارق ، أو على المسروق ، وفي الكلام المتقدم دليل عليهما ، ويكون قوله : « مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ » على ما تقدم في الوجه الذي قبله ، وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء . ولم يذكره الشيخ ، فقد حصل في الآية الكريمة أربعة أوجه ، وتقدم أن الوجه الأول والثاني وجه كما بينته لك ، فإذا ضممنا هذا الوجه الأخير الذي بدأ به أبو البقاء إلى الأربعة

--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) انظر المصدر السابق .